28 سبتمبر, 2009

قبل الكارثة .. حتى لا نبحث عن قطرة ماء !


كان الإسراف ولا يزال هو الخطأ المتعمد لإهدار موارد البشر ، و يعد هذا التصرف عبثاً من الفرد ، و دلالة على عدم حصافة عقله و فكره و قلة تأمله . و قبيح في المجتمعات أن ينتشر هذا الخلق ليُصبح ظاهرة تشين مبدأ الاقتصاد و التوسط في الحياة .
وقد نهى الله ـ جلّ وعلا ـ عن الإسراف فقال : ( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ) الأعراف : 31 . وإن من صور الإسراف و التبذير التي نراها في وقتنا الراهن ، إسراف و تبذير موارد البشر في الحياة على كوكب الأرض .
فمنذ زمن غير بعيد تجاوزت الدول الكبرى الصناعية الحد في الإنبعاثات الكيميائية ، مما سبب ظاهرة هددت الغلاف الذي يحيط بالأرض ، و سببت أزمة الانحباس الحراري ، الذي بدوره هدد بالكثير من المخاطر على حياة الكائنات في كوكب الأرض .
الزيادة في ارتفاع درجة حرارة الأرض ، سبب من أسباب الإسراف الصناعي الذي تجاوز حده ، وهذا يهدد بقلة الأمطار ، مما يعني قلة و شحّ في احتياطي مخزون الماء للبشر و الكائنات الأخرى .
ورغم تلك المخاطر الكبرى التي تهدد حياة البشر و الكائنات على الأرض ، فإننا نرى عدم مبالاة في صرف الماء بشكل يدعو للأسى . فهناك صور كثيرة نرى فيها التعمد لإهدار الماء بل و العبث به ، بلا وعي أو مسؤولية .
من تلك الصور ، و التي تصدر من بعض الأفراد :
- يُهدر الفرد ما يزيد على 4 جالون ماء عذب للاغتسال اليومي و الجالون يساوي ( 3.7 لتر ) وذلك خلال فترة اغتساله التي يتراوح زمنها ما بين 4 دقائق إلى 6 دقائق مستروحاً تحت رذاذ الماء و دفئه .
- يُهدر الفرد حوالي جالون لعملية تنظيف الأسنان ، حيث يلاحظ على الكثير أنهم يتركون صنبور الماء مفتوحاً أثناء تنظيفه لأسنانه .
- يُهدر المتوضئ حوالي 2 جالون ماء للوضوء .
و على ذلك قسّ عمليات التنظيف اليومية من نظافة المطابخ إلى الري و غيره ..

و قد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتوضأ بالمد و يغتسل بالصاع ، و قد حث على ذلك ، فأين نحن من هديه صلى الله عليه وسلم .
و المفزع في عملية الإهدار و الإسراف هذه ، أننا على مشارف أزمة ماء ستواجه الأرض ، فعلى حسب دراسات أعدتها هيئة الارصاد الجوية البريطانية و انفردت بها الجارديان ( تقرير يعد ليقدم في جامعة أكسفورد البريطانية ) أن درجات حرارة الأرض قد ترتفع بمعدل 4 درجات مئوية في وقت اقرب مما كان يعتقد من قبل . وهذا يهدد إمدادات المياه لنصف سكان الكرة الأرضية ويقضي على نحو نصف أنواع الحيوانات والنباتات على الأرض ويغرق الشواطئ الواطئة. ويحذر العلماء من أن المناطق القطبية وغرب وجنوب القارة الإفريقية قد تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة 10 درجات مئوية.

أما يدعوا هذا إلى أن ننتهج منهج العدل و التوسط في صرف الماء ، و نقوم بعملية توعية لمن حولنا ، فلو تم ترشيد الصرف على مستوى الفرد في المجتمع ، و انتشر ذلك ، فلا شك أنه سيكون هناك قدر من الحدّ من هذا الإسراف ، و الشيء الذي لا نستطيع أن نقضي عليه ، نستطيع أن نحدّ منه .
و الحد من الإسراف مطلب شرعي و عقلي و حضاري .
ومن يتأمل ما سيواجه البشرية جراء أزمة الماء سيعرف جيداً كيف يقتصد في استعمال الماء و يُوقف عملية العبث . إن لم يكن ذلك من أجل البشرية ، فمن أجل نفسه ، لئلا يجد نفسه يوما ظامئاً يبحث عن مواقع القطر .
و تأملوا معي ، مشهدنا ونحن نستسقي الرحمن طلباً للسقيا و نحن من يعبث بقطر السماء .. !

20 سبتمبر, 2009

عاودكم السرور

أهنئكم بمقدم عيد الفطر ، فتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ، وأتمنى لكم السعادة و السرور في هذه الأيام الطيبة

جعل الله أيامكم تواريخَ وأعيادا، وجعل لكم السعادات آماداً و أمدادا


06 سبتمبر, 2009

فكن معي حين أموت .. !


" رسالة من والدين كبيرين "

عندما أبكتني الحروف و صدعت جوانب كياني المعاني ، وعصفت بذهني الكلمات ، فقط عندما تذكرت حق الوالدين ، وما آل له التقصير في حقهما ، نزلت هذه الكلمات فكانت كما تقدم الوصف .
فيا من أدرك أبواه في كبرهما ، افهم ما يُراد منك وما ينبغي عليك ، وكن عوناً لوالديك في شيخوختهما لتدخل الجنة ، وقبل هذا ، أدّ ديناً كانا قد اقرضاك َ إيّاه طمعاً و حباً فيك ، فأعطياك شبابهما لتكبر و صحتهما لتنشط ، و جهدهما لترتاح و كدهما لتهنأ ، بذلا كل ذلك في سبيل أنك أبنهما ، فكن كما أرادوا .
فبالله عليك إن كانَ لك والدٌ و والدة فقبل قدمهما الآن ، ومرغ وجهك في حضنهما فثم ريح الجنّة ، و عبير الرضا و نسيم السعادة .
وهذه رسالة بعثتْ بها يدا والدين أدركتهما رعشت الشيخوخة ، و هدّ قوتهما كبر و تقدم السن فأصغ لي أذناً و اجعل عينك خاشعة لتقرأ ما قد يفوتك في غفلة الحياة و مشاغل الأيام .

الرسالة :

إلى أغلى من وهبتهم حياتي أبنائي وبناتي
في يوم من الأيام
ستراني عجوزاً غير منطقي في تصرفاتي
عندها من فضلك
أعطني بعض الوقت
وبعض الصبر لتفهمني
عندما ترتعش يدي
فتسقط طعامي على صدري
وعندما لا أقوى على لبس ثيابي
تذكر سنوات مرت
وأنا أعلمك ما لا أستطيع فعله اليوم
إذا خرجت كلماتي مكررة
وأعدت عليك ذكرياتي
فلا تغضب
فكم كررت من أجلك
حكايات و حركات
فقط لأنها كانت تفرحك
إن لم أعد أنيقاً جميل الرائحة
فلا تلمني
وأذكر في صغرك محاولاتي
لأجعلك أنيقاً جميل الرائحة
لا تضحك مني
إذا لم أفهم أمور جيلكم هذا
وكن عيني و عقلي
لألحق بما فاتني
أنا من أدبتك !
أنا من علمتك كيف تواجه الحياة !
فكيف تعلمني اليوم
ما يجب ومالا يجب !!!
لا تمل من ضعف ذاكرتي
وبطئ كلماتي
فسعادتي الآن
هي فقط في أن أكون معك
ساعدني لقضاء فقط ما أحتاج إليه
فما زلت أعرف ما أريد
إرحم شيخوختي و ضعفي
خذ بيدي
فغداً ستبحث عن من يأخذ بيدك
آه لو عرف الشباب ..!

أنا أنتظر الموت
فكن معي ولا تكن علي
اغفر زلاتي
وأستر عوراتي
غفر الله لك وسترك
كنتُ معك حين ولدتَ
فكن معي حين أموت .

لا زالت ضحكاتك و ابتسامتك تفرحني
فلا تحرمني صحبتك .

حفظكم الله و رعاكم من بعدي
آمين

أبوك / أمك

انتهت الرسالة ..
بعد أن قرأتُ هذه الرسالة ، و سطرت أحرفها لتصل إليكم ، تمنيت لو أنّ والدي و والدتي لا يزالان على قيد الحياة لأبرهما و أعوض أيّ تقصير في حقهما .. لقد أبكى قلبي الحال ..

خبروني عنكم .. ماذا أنتم فاعلون ؟

-----------------
أصل النص رسالة قرأها عليّ أحد الفضلاء ، و زيادة المقدمة و الخاتمة بتصرفي ـ الصورة تصميم المصور : ادواردو روساس .

21 أغسطس, 2009

بعض المنسيين في رمضان


لعل الجميع بدأ بالاستعداد لشهر رمضان ، فيهتمُ الناس ـ كالعادة ـ قُبيْل هذا الشهر بأيّام لاستقباله ، و الاستعداد لبدء عيش تلك الليالي الروحانية في سماء تزينها نجوم الطاعات و يتوسطها بدر يتنقل بمنازل الفضل ليصبح قمراً منيراً في منتصف الشهر . ثم يعود مرة أخرى ليصبح بدراً ولكن في أيام ٍ تمطر السماء على العباد رحمة بليلة القدر ، فاللهم اجعلنا ممن قام رمضان إيماناً و احتساباً .

ومن بين أضواء كثيرة تنير الليالي الفضيلة ، ستظل بعض الزوايا التي يسودها الظلام الحالك . أريد أن أحدثكم عن حال بعض المنسيين ، فهناك حيث يجلس متقرفساً الجوعَ و مفترشاً التراب مسلمٌ منسيّ ، أذهبه بعيدا عن أعين المترفين الشبع ، و غيبه كثيراً عن آذان الأثرياء مالٌ كثيرٌ جُمع .
كم هي كثيرة زوايا ابتلعها الظلام ثم نساها عامة الأنام ، فظلت في مكانها تئن من غير صوت يُسمع ، و ترفع أكف للرحمن تتضرع .
تئن الأسواق من كثرة مرتاديها كما يئن الفقير المنسيّ في أيامه ، ليس الفقر وحده من يؤاخي ظلمات تلك الأماكن ولكن إرهاب تخفق من خوفه قلوبٌ تريد الأمان ، و أخرى تبحث عن المثوى و السكنى في أي مكان .
هل تفكرنا في أحوال من يعيشون هذا العالم حولنا ، عندما ذهب بعضنا ليشتري ، هل تذكر الفقير ، و عندما مشى بعضنا في ظل بنايته هل تذكر من دكت الأرض من تحتهم .
سأحتاج أن أذكر كل من أمِن بشعوب الأرض التي تعاني . وسأذكر نفسي أولاً بالنعم ثم أذكركم بحق المنسيين ، لم نصنعهم نحن ، ولكن تقلب الأقدار يرينا كم هي النعمة سابغة علينا بحلول هذا الشهر ونحن في أوطاننا نرفل بالصحة و الأمن . وآخرون يعانون الشدائد و الجوع و الخوف .
نظرة نطل بها على حال بعض شعوب شرق آسيا لنرى النكبة و المصيبة بفيضانات تحرم الألوف مساكنهم و أحبابهم ، ثم نظرة أخرى لنسمع دويّ الرصاصات و هي تغتال الأمن من أفغانستان و العراق و الصومال ، و فتن أخرى تذهب قوة فتية في فلسطين التي قاومت القهر زمناً .
أليس من أعظم النعم أن نكون هنا نقرأ هذه الكلمات .. وسيكون من النعم لو تذكرناهم في دعواتنا ، وهم هناك حيث ما وصف .
فلا تنسوا تحسس بعض الأماكن التي قد لا يُركم الشبع دربها ، ولا تبصرها أعينكم ، لأنكم قد لا تنظرون ـ أحياناً ـ إلا إلى مواضع البهجة و السرور .
هناك منسيون كثر ، تساقطوا في رمضان و ربما لا يدركون العيد . لم ييأسوا من رحمة الله ، فالله يراعهم .
فارعوْا نعماً بين أيديكم .. وتذكروا حال من هو دونكم .
هذه الحروف لا تخرج من جوف قلم يكتب بمداد امتزج في لونه اليأس و عين لم ترى إلا الظلام و البأس .. ولكن تذكير بألا ننسَ ، و تأخذنا لجة الغفلة في النعيم المقيم .. فهناك محرومون كثر .
و الشيء بضده يعرف ، كما الظلام و النور ، ضدان نعرفهما .

ورمضان فرصة للرحمة و التراحم و تفقد الفقراء و المحتاجين ، و الدعاء بالفرج للمنكوبين و المصابين .

06 أغسطس, 2009

بصدق اشتقت للمدونة



بصدق اشتقت للمدونة ، ففي جنباتها عطر من أنفاس حكمة كانت تعبق من تقييد الفكرة و تأمل الخاطرة و النظر في التجربة و الاستفادة من رأي يُسطر تعليقاً ، و مشاركة تنفع في إنارة قبس يُوقد مشعلاً ؛ للعقل .
التدوين تجربة جميلة ، و محاولة لتهذيب تجربة الأيام بمزيد النظر و التأمل ؛ إنْ حرص المدوّن على تسطير يومياته في صفحات يودعها صندوق الأيام ، فيتسنى له أن يقدمها إما نصائحاً للآخرين أو دروسا و عبر .
مرت الأيام حتى تراكمت الأسابيع و ابتلعتها الشهور ، و لي عزم يفتر في أكثر مرة عندما أقرر العودة ، لقد كانت المشاغل كالعقبات ، و المشاكل كالملهيات ، و القلم صار حدّ سنه قديم ، لا يكتب حرفاً حتى يُصبح نقطة لا تفهم .
وكادت شمعة الفكر أن يدركها الهرم ، و يذهب لهيبها القِدم ، حتى لا يُرى صفحة ذلك الكتاب المفتوح ؛ و عندها تداركت بقية ضوء لم ينطفئ ، و بقية حرف ما زال يظهر في صفحة الحياة ، فكان العزم .. ومن الله التوفيق و السداد و الثبات على الرشاد .

إخوتي / أخواتي
و الله قد اشتقت لقراءة مدوناتكم ، فكم حرف جميل يطربني فاتني ملمح وجهه ، وكم عبارة حكيمة تهدي للحق و النور ، فاتني انجلاء نورها عند الفجر الصادق ذي الانبلاج الحكيم ..
لم أستمتع بشيء بعيداً عن التدوين ، إلا بكتاب قرأت صفحته . لقد كان التدوين ، كتاب افتح صفحته لأطالع المزيد من تنوع الأفكار و الطرح و النقاش .
محاولة العودة لهذا المكان كان يَشد عزمها بعد توفيق الله ؛ متابعتكم الطيبة ، فأشكر كل من سأل و حضر و سطّر .
ولعل أهم ما يستفاد من غلبة الأيام و تراكم غبار المشاكل ، أن على المرء مهما اشتد به الليل الطويل في هذه المشاغل ؛ عليه ألا يترك ما يجد فيه النفع و الخير من هواية طيبة و حرفة غير ذي الكسب ، مما هي في مجال التطوع و نفع المجتمع و الغير ، فبحق سيظل تائهاً طول فترة الانشغال و لن يجد نفسه ، إلا عندما يتفرغ للعمل الذي اعتاد عليه من خير ، مما ذكر آنفا.

فما أجمل أن تعود الطيور إلى أعشاشها ، و صفاء الأجواء في سماءها مبشراً ، بتلك الأيام ، أيامٌ على صفاء العيش و هناء البال و راحة القلب تتدفق كأنها نهر تغسل يوما انتهى و تحمل يوما ابتدأ ، وكأنه مركب أشرعته بيضاء ، يُبشر بكل خير .

30 يناير, 2009

رجل الثلج !


بداية ولجميع قراء المدونة و زوارها الكرام اعتذر لعدم تمكني في الفترة السابقة و الآتية من متابعة التدوين و الرد على التعليقات و المشاركة في التعليق على تدويناتهم وذلك بسبب ظروف العمل و الضغط المتلاحق و ضيق الوقت .
حتى أني أشعر أحياناً أن الوقت يمضي سريعاً كسعفة احترقت في لحظة عين ، وأجد نفسي من شدة تلاحقه كرجل الثلج الذي ذاب قبل أوانه ! .. أو أتاه الصيف بغته ..!
فأسأل الله أن يبارك لي و لكم في الوقت و يتفضل علينا بالمزيد من بركته و أن يمنحنا القوة و العزم و الثبات على الرشد .
هذا وأني أغتنم فسحة بين حين وآخر لقراءة و متابعة المدونات العزيزة على عيني . و تسطير حرفٍ و تنسيق جملة من تجارب بعض المواقف ، متمنياً أن يُفسح المزيد من الوقت لعرض ما كانت قد كتبته قبل . ولعل موضوع ( فكن معي حين أموت ) قد طال حبسه بين طيات و ثنايا مسودة المدونة .
ولكم خالص المودة و التحية و التقدير . . و الله يحفظكم .

13 يناير, 2009

أزمة أمة


” الخبر قبل ثلاثة أيام : ارتفع عدد شهداء العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة في يومه الـ 15 إلى 821 والجرحى إلى أكثر من 3350 نصفهم من الأطفال والنساء إثر سقوط أكثر من عشرين شهيدا في القصف الإسرائيلي المستمر اليوم وفق ما أفاد المدير العام للإسعاف والطوارئ في غزة معاوية حسنين لقناة الجزيرة .

وبعد ثلاثة أيام أخرى أسفرت العمليات الإسرائيلية في الساعات الـ24 الماضية عن استشهاد 29 فلسطينيا، ما يرفع عدد الشهداء منذ بدء العدوان إلى 919 وعدد الجرحى إلى 4263

غصة في حلق أكثر من مليار من أمة عظيمة ، لما يحدث من مآسي مروعة في غزة . لم يعد للنفس الإنسانية قيمة عندما عبثت بها أصابع الشر اليهودية . فمن أمة متشردة بائسة مغضوبٌ عليها يأتي الحزن على أمة عظيمة أوقد شرارُ ضوءها الأفق . فلماذا أفل نجمها و سقط كوكبها الذري في مستنقع الأمم المتكالبة فأكلت أطرفها و أوهنت عزمها و أذهبت قواها ، لترضخ لسلام مزعوم تشقق كالخشب البالي تحت الماء .

ونحن ننظر الى ما يحدث من مجازر وحشية بآلة الحرب الصهيونية التي توقدها سياسة الولايات المتحدة الأميركية و ارتباك الإتحاد الأوربي و غفوة المنظمات الأممية ذات الضمير المصاب بداء الفصام ، يلح سؤال في وسط الغصص المتتالية لنكبات الأمة العربية و الإسلامية ، من أين يأتي كل هذا التخاذل ، ولماذا نتمرغ في الوحل كعملاق مكبل قد سرى الخدر في أطرافه . عندما يفكر المرء بالحل يجد نفسه ينظر إلى الأفق ، فلا يرى شيئا من شدة ظلمة الليل الذي طال الرقاد فيه . فمن إنعدام جدوى توحدنا بصفتنا أمة تعبد إلهاً تقدس اسمه في السماء و تعالى جده في الثناء و توحد في التعبد و الدعاء إلى حسرة أخرى في تباطؤ زحفنا الذي أذل قيصر و مزق كسرى و أخضع جحافل التتار و حكم شرق أوربا بتبديد قياصرتها و أشرق في غربها بدولة كانت كجدوة شرارة من مصدر نور عظيم كل ذلك في عهد سبق لم نمد أيدينا لحبله الذي انقطع بعد أن استعصى علينا أمرنا ففرقتنا القوميات و انحنى ظهرنا كالكهل الهرم للحزبيات ، و تشردنا كقطعان خراف أخافها ذئب في يوم حالك الظلمة .

دبّ اليأس و العجز و الكسل في أوصال الأمة ، مما تراه من تخاذل القرارات و عبثية الإنذارات و تطاير الشجب و ضياع صوت الاستنكار الأممي على من أصرّ على العدوان وقتل الأبرياء و إحراق الأخضر و هدم العمران على الآمنين .

فمن يوقظها من نومها لترى فجر الحقيقة في الأفق ، ومن يؤذن على أعلى مئذنة الحق بحيّا على الصلاة و الاجتماع في صفٍ كالبنيان المرصوص و هلموا فالصلاة و الاجتماع خيرٌ من النوم و التقلب في غفوات القرون ؛ أمة بلا زمام عزم او ثبات على رشد .

لقد أوشك المرء على فقد الرؤية لاجتماع الأمة و توحد صفها ، حتى أرهقته المسيرات و أعيت عقله المظاهرات و أذهبت صوته الهتافات . فإلى أين يتجه ذلك الحشد العرمرم الذي يسير تائهاً في الشوارع و الطرقات وقد جرد من سلاحه عندما كان قبلُ جيشاً جراراً يخاف العدو منه مسيرة شهر .

انكسر سن القلم من نحيب الكلمات على صفحات حمراء من الدم الذي أريق بغير حق ولكن ظلماً و عدواناً . وكل العالم يشاهد تدفقه كأنه نهر يشق طريقه في طريق يسمى بعد ذلك أزمة أمة .

مع هذا الأسى وبعد إطراق المرء بين همٍ يُنكس هامته و حزن ٍ يجمع وجهاً عزيزاً بين كفيْ عجز ٍ و فكر ، يتجلى أمرٌ يجب أن يكون ، و فكرٌ يجب أن يختلج ظلمات الواقع ليصل إلى النور الذي يشع من التمسك بحبل الله المتين ، الذي لا يأتيه الباطل من بين قرارات أممية بائدة من أمامه ، أو صمت عربي من خلفه ، أو تآمر الشر و المكر و العدوان من حوله .

أكفٌ بالدعاء تتضرع و ألسنٌ بالدعاء تلهج ، لله نور السموات و الأرض ، بأن يكف بأس المغضوب عليهم عن إخواننا المستضعفين و أن يذهب مكر الضالين المتآمرين على مكر الليل و ظلم النهار .

إن التذكير بالدعاء و شأنه العظيم في النجاة من الملمات و الخروج من الأزمات ، سينفع الخلق و يشفي قلوباً أصابها الكمد و يُذهب هموماً تعلقت بأرواح الناظرين . لم يَعد لنا سلاح بعد تفرق هذه الأمة ماضٍ كسلاح الدعاء فهو سلاح المؤمن وهو الحلقة الأقوى لقرع باب السماء ، فأبواب المجالس الأممية قد خلعها الخوف من أماكنها وسرحت في مجالسها و على موائدها ذئاب الشر و المكر و العدوان .

يُفكر المرء ويُقدِر أن العجز قد حلّ ضيفاً في فناء عمره ، وأنه فقد كل شيء ! وفي الحقيقة لم يزل هناك شيء عظيم ألا وهو الالتجاء إلى الله ، في وقت يعجز كل العالم أن يمد يده لغرقى في طوفان الغصب و القتل الصهيوني .

إن الدمع يعطل مدراراً على شعب أعزل يقتل و يُشرد ، و مواقف عربية أربكها المشهد لأسباب كثيرة بعضها مفتعل من أيد ٍ تحرك المواقف من بعيد ، و مواقف أخرى صِداميٍّة لم تحسب مكاسبها قبل خسائرها ، ولم تعلم ! أن من سيدفع الثمن شعب أعزل من طفل برئ وشيخ عليل و أمّ ثكلى .